الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
226
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
" ليست تشهد الجوارح على مؤمن ، إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب ، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه ، قال الله عز وجل : فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا ( 1 ) . الآية التالية تشير إلى أحد ألوان العذاب التي يمكن أن يبتلي الله تعالى بها المجرمين في هذه الدنيا ، تقول الآية الكريمة : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ( 2 ) . وفي تلك الحالة التي يبلغ فيها الرعب الذروة عندهم : فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون . فهم عاجزون حتى عن العثور على الطريق إلى بيوتهم ، ناهيك عن العثور على طريق الحق وسلوك الصراط المستقيم ! وعقوبة مؤلمة أخرى لهم : اننا لو أردنا لمسخناهم في مكانهم على شكل تماثيل حجرية فاقدة للروح والحركة ، أو على أشكال الحيوانات بحيث لا يستطيعون التقدم إلى الأمام ، ولا الرجوع إلى الخلف : لو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ( 3 ) . " فاستبقوا الصراط " يمكن أن تكون بمعنى التسابق فيما بينهم للعثور على الطريق الذي يذهبون منه عادة ، أو بمعنى الانحراف عن الطريق وعدم العثور عليه ، على ضوء ما قاله بعض أرباب اللغة من أن " فاستبقوا الصراط " بمعنى " جاوزوه وتركوه حتى ضلوا " ( 4 ) . وعلى كل حال ، فطبقا للتفسير الذي قبل به أغلب المفسرين الإسلاميين ، فإن
--> 1 - تفسير الصافي ، مجلد 4 ، صفحة 258 2 - " طمسنا " من طمس - على وزن شمس - بمعنى إزالة الأثر بالمحو ، هذه الإشارة إلى إزالة ضوء العين أو صورتها بشكل كلي بحيث لا يبقى منها أثر . 3 - " مكانتهم " بمعنى محل التوقف ، وهي إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخرجهم عن إنسانيتهم في محل توقفهم ، يغير أشكالهم ، ويفقدهم القدرة على الحركة ، تماما كالتمثال الخالي من الروح . 4 - لسان العرب - قطر المحيط - المنجد " مادة سبق " .